الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران ليس مجرد ضربات عسكرية، بل نقطة تحول تاريخية في منطقة الشرق الأوسط.
فمنذ اللحظة الأولى، توسعت دائرة المواجهة مع الرد الإيراني الذي طال مواقع في دول الخليج، تحت ذريعة استهداف القواعد الأمريكية ، بعد الضربة التى تم خلالها اغتيال مرشد الثورة الإيرانية على خامنئى و47 قائدا آخرين ، ثم رشق إسرائيل بالصواريخ الباليستية والرد بتكثيف الهجوم ، وما تبعه بدخول حزب الله على خط المواجهة والرد الإسرائيلى عليه، وبين الضربات المتبادلة والتصعيد السياسي، تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة عنوانها الصراع المفتوح واحتمالات التحول الاستراتيجي الكبير .. مرحلة خطيرة يعاد فيها رسم التوازنات الأقليمية استعدادا للشكل الجديد للشرق الأوسط.
التصعيد المستمر يضع المنطقة على شفا مخاطر غير مسبوقة، قد تتجاوز حدودها لتطال الأمن والاستقرار العالمي ،بل هو بداية إعادة رسم شامل لموازين القوى في المنطقة والعالم، مع تأكيد أن من يسيطر على أدوات التوازن الجديدة سيتحكم فى شكل المستقبل الإقليمي والعالمي.
الحرب على إيران رسالة استراتيجية إلى كل القوى الكبرى سواء بكين أو موسكو، أو اللاعبين الإقليميين، بأن أى محاولة لإعادة صياغة المحاور التقليدية ستواجه بعنف استباقي ، فى إشارة إلى تحولات جوهرية في التوازنات الدولية ، في عالم يتجه من أحادية القطب نحو تعددية القوى، تصبح القدرة على فرض النفوذ بالقوة التقليدية محل تساؤل ، وباختصار شديد 28 فبراير ليس مجرد تاريخ في التقويم السياسي، بل نقطة تحول تاريخية تعيد رسم الخرائط الاستراتيجية للمنطقة، وتعيد ترتيب أولويات القوى العالمية، لتصبح كل خطوة لاحقة في الشرق الأوسط جزءا من لعبة معقدة بين تعدد الأقطاب الجديدة ومحاولات الاحتفاظ بالمكانة التقليدية.
والأحداث المتسارعة والمشهد شديد التعقيد ، يجبران الجميع على إعادة قراءة المشهد بعمق ومسؤولية ، فالحرب الأمريكية الإسرائيلية كشفت حقيقة واضحة عن القواعد الأجنبية فى البلدان العربية ، فقد تم إنشاء تلك القواعد لضمان الاستقرار للدول التي تتواجد على أراضيها، بحيث تحميها عند اندلاع أى مواجهة ،مثل حرب الكويت فى تسعينيات القرن العشرين .
ولكن الوضع الآن يؤكد أن هذه القواعد لم تعد مظلة حماية، بل تحولت إلى نقطة استهداف مباشرة للدول المستضيفة، دون أن تملك هذه الدول قرار الحرب أو أدوات الردع.
وعلى البلدان العربية مراجعة مواقفها مرة أخرى ، لاسيما بعد مطالعة تصريحات مايك هاكابى " السفير الأمريكي لدى إسرائيل قبل الحرب بساعات والتى قال فيها أنه "لا بأس" أن تسيطر إسرائيل على مساحة شاسعة من الشرق الأوسط ، مما يفضح الهدف الأمريكى الإسرائيلى بإعادة رسم المنطقة لتصبح خاضعة لهما.
ووسط هذا المشهد المشتعل، تبرز السياسة الحكيمة للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي اتسمت منذ اللحظة الأولى بالاتزان والرصانة، مع الحرص على تجنيب المنطقة الانزلاق إلى فوضى شاملة، والحفاظ على ثوابت الأمن القومي العربي.
فقد أثبتت مصر عبر السنوات الماضية قدرتها على إدارة الأزمات العالمية، من جائحة كورونا إلى تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية، مع الحفاظ على استقرار السوق المحلي وتأمين مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، ما يمنح الدولة مرونة لمواجهة أي ضغوط خارجية محتملة نتيجة التصعيد الإقليمي.
كما أن موقف مصر الثابت تجاه أمن واستقرار دول الخليج يعكس إدراكا عميقا بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي، ويجعل من القاهرة صمام أمان حقيقي للمنطقة.
وهنا لا بد أن نعود بالذاكرة إلى الثامن والعشرين من مارس 2015 وبالتحديد إلى كلمة الرئيس السيسى فى افتتاح أعمال القمة العربية الـ 26 بشرم الشيخ، والتى شدد فيها على أهمية تشكيل قوة عربية مشتركة تتصدى للتهديدات التي تواجهها المنطقة ، مما يعكس قراءة مبكرة لطبيعة التحولات التي كانت تتشكل في الإقليم آنذاك، وتعبير عن رؤية استراتيجية ترى أن زمن الاحتماء بالمظلات الخارجية وحدها قد ولى، وأن حماية المصالح العربية تتطلب إرادة جماعية وآليات ردع ذاتية قادرة على التحرك السريع والفاعل.
وأخيرا وليس آخرا، أوجه رسالة إلى جميع المصريين بأن نعمة الأمن والأمان التى نعيشها على مدار السنوات الماضية ليست أمرا عابرا ، بل ثمرة وعي وسياسات رشيدة وتماسك مجتمعى يجب الحفاظ عليه.
فمصر، بحكم موقعها الاستراتيجى وثقلها الإقليمى، تظل مستهدفة طوال الوقت، إلا أن وعى المصريين هو الحصن الحقيقى فى مواجهة حملات التضليل ، وتماسك الجبهة الداخلية وصلابة النسيج الوطنى يمثلان خط الدفاع الأول أمام أى ارتدادات مباشرة أو غير مباشرة للصراعات الدائرة، والاصطفاف الوطنى خلف القيادة السياسية فى هذه اللحظة الدقيقة ليس خيارا ، بل ضرورة استراتيجية لعبور التحديات بأقل خسائر ممكنة، وتبقى مصر واحة الأمن والأمان وسط محيط مضطرب.